Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est مقالات. Afficher tous les articles

mercredi 11 novembre 2015

بوذا والبوذية

بوذا (536-456 ق م) والبوذية

هو سِدْهرتا غَوْتاما Siddharta Gautama، الملقَّب بالبوذا Buddha ("المتنوِّر")، مؤسِّس البوذية، وواحد من أعظم الحكماء في كلِّ الأزمنة والبلدان.
 
البوذية، ككلِّ عقيدة باطنية، لا تندرج في إطار أيٍّ من التصانيف الغربية للفكر الفلسفي المدرسي. فهي ليست دينًا ولا فلسفة بالمعنى الغربي لهذين المصطلحين، إنما بالأحرى مسلك باطني ("طريقة" بالمصطلح الصوفي) يستهدف تحقيق "الهوية المطلقة" فيما يُعرَف بالـنرفانا. وهي تقوم على عقيدة رحبة ومُحكمة التماسُك في بسطها ومنطقيَّتها.
كلمة "بوذية" مشتقة من لقب بوذا – وهو مصطلح لا يشير إلى شخص معيَّن بقدر ما يشير إلى التحقق بدرجة عليا من الوعي: البوذا هو المتنوِّر، هو الكائن المتحقِّق بأسمى درجات الإشراق الروحي. أما الإنسان الذي كان تجسيدًا رفيعًا لهذه الدرجة فهو الأمير الهندي سدهرتا غوتاما.[1] وتخبرنا السِيَر الشريفة أن سدهرتا غوتاما ولد سليلاً لطائفة المحاربين النبلاء (كشَتْريا kshatriya) بالقرب من كَبيلافَسْتو حوالى سنة 563 ق م. وقد أضفت الأسطورة زخارف كثيرة على سيرة حياته التي لا يُعرَف عنها نسبيًّا إلا القليل.
عاش سدهرتا في مستهلِّ حياته عيش الأمراء في قصر والده. وفي السادسة عشرة اقترن بياسودهارا Yasudhara التي أنجبتْ ابنهما راهولا Rahula. وتذكر السِّيَر أيضًا أن والده أبقاه في القصر وأحاطه بالشبان وبالشابات فقط، لكي يمنع عنه رؤية البؤس البشري – إلى أن أصرَّ ذات مرة على الخروج وصادف في طريقه، على التوالي، شيخًا مسنًّا ومريضًا وميتًا ثم ناسكًا متوحِّدًا. نبَّهه الثلاثة الأُوَل إلى الألم الذي يكتنف الوجود البشري، فيما أبصر في رابعهم إشارة إلى رسالته في الحياة.
على أثر هذه الرؤيا التي زلزلتْ كيانه، غادر الأمير قصره المنيف، هاجرًا زوجه وابنه، متخليًا عن أملاكه، عازفًا عن حياة الترف واللهو، طالبًا المعرفة. وإذ تنسَّك، شرع في صحبة نسَّاك (سامناsāmana) آخرين يفتش عن علاج جذري للألم الشامل. وعندما أخذ عنهم كلَّ ما كان بوسعهم أن يعلِّموه غادرهم، مواصلاً طريقه بمفرده. وقد فرض في البداية على نفسه تقشفات وإماتات بدنية ونفسية، سرعان ما هددتْ حياته بخطر الموت. لكنه، إذ أدرك الغرور المقنَّع الذي ينطوي عليه الإفراط في الزهد، أقلع عنه، مكتشفًا "طريقًا وسطًا"، "يقع بين الحدَّين المتطرِّفين ويتخطَّاهما معًا"، على حدِّ تعبير الفيلسوف البوذي كرستمس همفريز. ثم اقتعد موضعًا تحت شجرة (عُرِفت منذئذٍ بشجرة بودهي Bodhi – "الحكمة") قرب غايا Gaya، مستغرقًا في تأمل عميق موصول. وقد ارتقى بوعيه مراتب الوجود مرتبة مرتبة، واتسعتْ رؤياه، حتى إذا حلَّ الهزيع السابع من الليل ولج، فجأةً، عالم النور الخالص، واجِدًا ضالَّته التي طالما فتش عنها، مكتشفًا المغزى الأسمى من الكون والحياة، ودخل حيًّا في الـنرفانا: صار جيفَن موكتا jivan-mukta، أي "منعتقًا في الحياة"، بالمصطلح الهندوسي. إنه التنوُّر! لقد صار سدهرتا الأمس "بوذا"، "المتنوِّر"، أو بالأحرى "تحقَّق" بطبيعته الأصلية.
أدرك البوذا، إذن، بملء وعيه، أن الحياة تنطوي على الألم، وأن الألم بالمرصاد لكلِّ مَن لا يزال أسير عجلة سمسارا samsāra، عجلة الولادات والميتات؛ أدرك أن ما من شيء دائم في هذه الدنيا، وأن كلَّ شيء فيها إلى زوال. فالإنسان غير المتحرِّر داخليًّا "لاذات" (أنـَتـْما anatma) غير مطمئن، يعود شقاؤه إلى جهله وتعلُّقاته الناجمة عن رغبته التي لا ترتوي. الرغبة هي علَّة الألم، ولا زوال للألم إلا بإخماد نارها المستعرة. وقد صاغ البوذا هذه العلَّة فيما دعاه بـ"الحقائق النبيلة الأربع" في الألم، ألا وهي:
  1. حقيقة الألم: الألم متأصِّل في الحياة كما يفهمها الإنسان العادي؛
  2. حقيقة علَّة الألم: أصل الألم هو الرغبة؛
  3. حقيقة التغلُّب على الألم: يكون التغلُّب على الألم بإخماد الرغبة؛
  4. حقيقة الطريق المؤدي إلى التغلب على الألم: وهو الطريق المثمَّن الشُّعَب؛ وهذه الشعب هي:
أ‌.        الفهم السليم: رؤية الحياة كما هي عليه، بالانسجام مع خصائصها الثلاث، الألم والتغيُّر واللاذاتية، والأخذ بالحقائق النبيلة الأربع (وجود الألم وعلَّته والتغلُّب عليه والطريق إلى ذلك بالسير على "الطريق الوسط").
ب‌.    التفكير السليم: تجرُّد التفكير من الغلاظة والتعصُّب تجاه البشر وكلِّ أشكال الحياة.
ت‌.    الكلام السليم: الكلام اللطيف وقول الحق وسرد الأحداث الجارية بدقة وبأمانة.
ث‌.    العمل السليم: السلوك بحذاقة وبرأفة، واجتناب المجهود العنيف أو العقيم.
ج‌.     العيش السليم: على مسلك المرء في العيش ألا يتسبب في إلحاق الأذى بالنفس أو بأيٍّ من الكائنات، وأن يُعِدَّ المرءَ لميتة كريمة، لائقة بإنسانيته.
ح‌.     الاجتهاد السليم: تحقيق الكمال بنبذ الصفات الوضيعة الذميمة والتخلُّق بالخصال الرفيعة الحميدة.
خ‌.     النظر السليم: تنمية الانتباه الداخلي ومراقبته، وكذلك العطف والرحمة، الناتجين عن الاتكال على النفس والحِلْم.
د‌.       التركيز السليم: التأمُّل حتى بلوغ ذروة الكشف العقلي – الحكمة.
وإذ امتلأ البوذا الجديد بالرحمة على العالم، عزم على نقل النور والخلاص الذي انكشف له الطريقُ إليه إلى بني الإنسان. لقد كان في الخامسة والثلاثين من عمره عندما شرع في تعليم عقيدته، الـدهرماDharma، وثابر على ذلك طوال ما تبقى من حياته، مثالاً حيًّا على الحكمة المطمئنَّة والطيبة اللامتناهية، إلى أن وافاه الأجل في الثمانين.
لقد أوصى البوذا، من أجل بلوغ غاية الحياة، باتِّباع شريعة أخلاقية رفيعة، هي انعكاس مباشر للناموس الأخلاقي المدوَّن في سريرة الإنسان. إن منهجه يقوم، بدون أن يُلمِع إلى وجود أيِّ إله،[2] على التأمل والرياضة العقلية أكثر منه على الزهد. وإننا لنقع في العقيدة البوذية على عناصر هندوسية عديدة، الأمر الذي يؤكد على عدم التعارض بين ظاهر الهندوسية والبوذية إلا بمقدار ما يختلف ظاهر منقول عن باطنه. ولم يكتفِ البوذا بتعليم العقيدة وحسب، بل أسَّس "رهبنة" الـسَنْغها sangha التي أوْكَلَ إلى أفرادها (الـبهِكشو bhikshu) مهمة نَشْرِ البشارة البوذية في العالم.[3] ولقد لاقت البشارة نجاحًا عظيمًا، وانتشرت البوذية في الهند بعد قرنين من موت غوتاما ورهبانه الأوائل في عهد آشوكا Ashoka، ذلك الملك العظيم الذي راعتْه الفظائعُ التي ارتكبتْها جيوشُه الغازية، فتحوَّل، وهو في أوج فتوحاته وانتصاراته، إلى البوذية، معتنقًا إياها ومتعمِّقًا فيها، وصار من أنبل الوجوه الإنسانية التي مثَّلتْ لها عبر التاريخ. وظلت البوذية مزدهرة في الهند حتى بعد مرور 1500 سنة على دخول مؤسِّسها في الـبَرينـِرفانا parinirvāna ("الانطفاء التام").
البوذية في نقائها الأصلي، بما هي طريقة باطنية تأملية، عقيدة مُحْكَمة، تقوم على منطق عملي لا يفسح للعاطفة إلا مجالاً ضيقًا للغاية. وبما أن الشعب الهندي يتميَّز بشفافية الشعور وبعاطفة ثرَّة، وكان ذا ميل فطري إلى الإلهيَّات والمُدارَسة النفسية، فقد شقَّ تيارٌ جديدٌ طريقَه وسط العالم البوذي في القرن الأول الميلادي، حتى توطَّد أخيرًا منهجان اثنان: منهج الجنوب (ويدعى كذلك هينياناHinayāna، "المركبة الصغرى"، أو تهِرَفادا Theravada)، الذي اعتبر نفسه – وما يزال – حاميَ العقيدة في صورتها الخام؛ ومنهج الشمال (مهايانا Mahāyāna، "المركبة الكبرى")، الذي تلوَّنتْ البوذية بتأثيره بلون جديد، أدرج فيها بُعدًا "بهكتيًّا"، تعبُّديًّا، وأبْرَزَ أهمية التأملات الميتافيزيائية. ومع الانتشار الجغرافي للبوذية، تفرَّعتْ عن هذين المنهجين أغصانٌ عديدة متنوعة.
ففي القرن الثالث ق م دخلت البوذية الصين، ومنها امتدت إلى كوريا (372 م)، ثم إلى اليابان (552 م)؛ كما تسرَّبتْ بعضُ المؤلفات البوذية إلى التيبت في حوالى القرن الخامس الميلادي. ومن سيلان (شري لنكا)، التي ما تزال منذ أكثر من اثنين وعشرين قرنًا معقِل منهج الجنوب، اكتسحتْ البوذية بورما (450 م)، ثم كمبودجيا. وفي القرن السابع بلغت سيام (تايلاند)، حيث أصبحت دين الدولة الرسمي. واليوم، ما تزال البوذية حية، رغم أن عمرها "التاريخي" تخطَّى القرون الخمسة والعشرين. وإن تسرُّبها إلى الغرب، الذي ناسبتْه عقلانيَّتُها الرصينة، في ازدياد مطَّرد.
يتركز مجهود البوذية برمَّته في قدرة الإنسان على الانعتاق من عجلة الولادات والميتات التي تلقي به في هوة الألم. ولأنه ما من إله شدَّه إلى هذه العجلة (سمسارا) فليس خلاصُه منوطًا بأحد سواه. لا مكان في البوذية للصلوات وللقرابين التي يعتقد أهل الظاهر أن بالإمكان، من خلالها، استنزال رأفة إله غاضب أو شفقته. وبذلك تعود إلى الإنسان كرامتُه ومنزلتُه اللائقتان به ككائن فاعل في هذا الوجود. و"كهنة" البوذية مدرِّسون للـدهرما وليسوا أبدًا "وسطاء" بين الإنسان والحق. ولأن البوذية لا تقدِّم نفسها بوصفها "وحيًا مُنزَلاً" فإنها لا تفرض أية عقيدة بعينها، إنما، بالأحرى، تقترح "تعليلاً" منطقيًّا وموضوعيًّا للإوالية المسؤولة عن ألم الإنسان وعبوديته.
كل علَّة فهي تحتِّم معلولاً،ً يصير بدوره علَّة لمعلولات متلاحقة (ناموس كرما karma)، وما من تدخُّل، أيًّا كان مصدرُه، يمكن أن يجعل الواقع على غير ما هو عليه. لا شيء في البوذية يدعى "خطيئة" أو "إثمًا"، بمعنى إساءة تثير سخط "رب" أو "إله"؛ لكن كلَّ فعل خاطئ، أي في غير محلِّه، يقود إلى الألم. لقد أصاب كرستمس همفريز، إذ قال: "المرء يعاقَب بـخطاياه، وليس عليها."
لئن كانت البوذية تمنح الإنسان قدرة مذهلة، وتلقي على عاتقه المسؤولية التامة عن مصيره وخلاصه،[4] إلا أنها، في الوقت نفسه، تنفيه كشخص أو "أنا"[5] بالمفهوم العطالي للمصطلح. فالأنيَّة ego، من وجهة النظر البوذية، ما هي إلا ملتقى طرق لمؤثِّرات خاضعة للتحول الدائم. وربما رأى بعضهم في هذه الفكرة، للوهلة الأولى، تناقضًا أساسيًّا في الديالكتيكا البوذية. غير أن الأنيَّة بنظر البوذي (كما بنظر أيِّ صوفي مشرقي) ليس لها وجود في ذاتها، شأنها في ذلك شأن العالم. فمع أنهما موجودان في الواقع على صعيدهما الخاص فإنهما، في المطلق، وَهْم، لأن وحدَه المطلق موجود بذاته. لذا على المرء، كي يكون "حقيقيًّا"، أي يحيا في الحق وبالحق، ألا يكون محدودًا بشيء، مقيَّدًا به، وألا يتَّكل على أيِّ كائن آخر أو ظرف خارجي – وبعبارة أخرى، عليه أن يكون كلِّيًّا. وهذا قطعًا ينفي عنه الشكلانية والاسمية. إن كلَّ ما نصادفه أو نكتشفه في أنفسنا، وفي كلِّ ما تقع عليه حواسُنا من العالم، مقيَّد وزائل، وبالتالي "غير حقيقي" بالمعنى البوذي للكلمة.
ما تزال البوذية، حتى الساعة، تبدو لنا مجرَّد منهج ماديٍّ، خلو من أيِّ مضمون روحي؛ لكنها ليست كذلك في الواقع، من حيث إن المرء، متى أخمد في نفسه لهيب الرغبة الذي يستمد وقوده من تماس الحواس مع الأشياء، وأطلق أنيَّته من تقوقعها على نفسها، وتملَّص بذلك من الدوران مع عجلة الولادات، عاش "حالة" النرفانا. إن وعي فراغ الأنيَّة الزائفة وفراغ الأشكال من أية ماهية دائمة هو السبيل إلى تحقيق الانعتاق. والسلوك في هذا السبيل ليس بالأمر السهل على الإطلاق؛ إذ إنه يتطلب مجهودًا جبارًا، ويقظة للوعي متواصلة، وسبرًا عميقًا للنفس، يخترق الفكر الذي يُتخطَّى إلى الوعي الكلِّي.
ولئن صح أيضًا أن البوذية تعلِّم أخلاقية ما فهي في مآل الأمر ليست بالمنهج الأخلاقي. فالأخلاق فيها ليست غاية في حدِّ ذاتها، إنما هي موطئ قدم مبدئي على "درب" النيرفانا وأول خطوة؛ لكنها خطوة لا معنى لها إلا بمقدار ما تمهِّد للغاية القصوى. إن النظرة البوذية الثاقبة إلى الوجود لتثير الإعجاب حقًّا، وعمقها في "التحليل النفسي" للدوافع التي يلقي انحرافُها بالإنسان في هوة الجهل، وإقصاؤها، ككلِّ طريقة باطنية مستقلة عن الظاهر، كلَّ الفروق الاجتماعية والعرقية والعقائدية – كلُّ ذلك يحملنا على الوقوف طويلاً عند صرحها الشامخ متأمِّلين، خاشعين.
أحاديث بوذاوية
هاكم الآن بعض الأحاديث المأثورة عن البوذا، استقيناها من مصادر مختلفة، غير مراعين في ذلك أيَّ ترتيب أو تبويب:
-        لا تفتِّشْ عن ملجأ إلا في نفسك.
-        حرِّر نفسك من القيود كما تخرق السمكة شبكة الصياد.
-        لا في السماء، ولا في عَرض البحر، ولا في كهف جبلي، ولا في أيِّ مكان من العالم، يستطيع المرء أن يهرب من سيِّئ فِعالِه.
-        كما أن الشمعة التي أطفأتْها الريحُ لا تُعرَف هويَّتُها، كذلك الحكيم المطمئن الذي تحرَّر من الفكر والجسم لا تُعرَف هويَّتُه.
-        الطريق الوسط يجيء بالمعرفة والفهم، يجيء بالرؤيا الداخلية، ويقود إلى الطمأنينة والحكمة، إلى اليقظة، إلى النرفانا.
-        الحكيم المطمئن، الحرُّ من وجهات النظر المبنية على أشياء رآها وسمعها، يتحرَّر من وزر حمله، فلا يعود خاضعًا للزمن، وبذلك يتخطَّى الرغبة والزهد معًا.
-        متى سيطر المرءُ على شيء ما، عليه ألا يقيس نفسه إلى الآخرين، مادحًا أو قادحًا، بأيِّ وجه من الوجوه.
-        الإنسان الكامل لا يهتم بكيفية نشوء العالم، فلا يعتبر من الزمان إلا الحاضر، ولا يجعل من الولادة في أيِّ عالم من العوالم همَّ قلبه.
-        صالح، طالح... انفعالات كهذه تنجم عن التداعيات والانطباعات الفكرية. أما متى تمَّ تخطِّي هذه التداعيات الفكرية لا يعود ثَمَّ تمييز بين مفهومي مُلِذٍّ وغير مُلِذٍّ.
-        بعض المتديِّنين يجزم: "الحقيقة هي كيت وكيت؛ أعرف؛ أرى!"، ظانًّا أن كلَّ شيء يتوقف على اعتناق الدين الصحيح؛ لكن متى عرف الإنسان حقًّا لم يعد بحاجة إلى دين.
-        كما النحلة تجمع الرحيق دون أن تؤذي الزهرة، كذا يفعل الحكيم وهو بين الناس.
-        لا تتعلق بالمُلِذِّ ولا بالمؤلم؛ ففي فقدان المُلِذِّ وفي اقتناء المؤلم ألم.
-        الصراع لا يُلطَّف بالكراهية؛ الصراع يتوقف بالمحبة – هذا ناموس أزلي.
-        لو لم يكن ثمة ما لا يولَد، ما لا أصل له، ما لم يُخلَق، ما لا شكل له، لما وُجِدت إمكانية النجاة من عالم الولادة والخلق وذي الشكل.
-        الأفكار العقيمة مرض وقرحة وشوكة. ومتى تمَّ تخطِّي الأفكار العقيمة كلِّها، حُقَّ للإنسان أن يدعى "مفكرًا صامتًا"؛ والمفكر، الحكيم، لا يخضع للصيرورة.
لقد تعرضت البوذية، مع تزايد انتشارها، إلى مؤثِّرات عديدة عدَّلتْ قليلاً من منهجها. ولكن، أليس من العجب أنها حافظت بعد خمسة وعشرين قرنًا على حيوية روحية متميِّزة؟ أما لقاؤها التاريخي مع العقلية والروحانية الصينيتين فكان مصدرًا لتلاقُح روحيٍّ خصب، أثمر عما سُمِّي ببوذية تشآن Tsh’an (كلمة مشتقة من كلمة دهِيانا dhyāna السنسكريتية التي تعني "التأمل") في الصين وبوذية زِنْZen في اليابان، اللتين تتميَّزان بجرأة وقوة فريدتين وتعبِّران عن نضج روحي مذهل. فهذان المنهجان يقترحان إمكان القيام بقفزة مباشرة نحو النرفانا بتحدي المنطق الفكري الصارم، وتحطيم طغيان الفكر والكلمات، بما يفضي إلى يقظة مباغتة (ساتوري satori).
منقول عن:معابر الرابط أسفله

mardi 27 janvier 2015

أيوب الشلافي الوجه الخفي لتضحية الشرفاء


   يسعد كل شخص  بالبحث عن الحقيقة في حد ذاتها، كما يسعد كثيرا بمن يصارحه في كل صغيرة وكبيرة، وفي هذا السياق يسعدني كثيرا، أن أتحدث إلى الرأي العام بكل صراحة وصدق إزاء أيوب الشلافي المناضل الشرس والشريف الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل التسجيل بسلك الماستر خلال الموسم الجامعي 2013-2014 ،حيث أنه خاض إلى جانب الطلبة المجازون  بمعية مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب معركتهم النضالية، منذ مرحلة التأسيس إلى غاية انتهاء الموسم الدراسي، وما ميز أيوب هي مداخلاته الممزوجة بالجدية والسخرية والتهكم على السياسة الطبقية التي ينتهجها النظام القائم حيال قضية التعليم ذات البعد الطبقي، وكشهادة للتاريخ فإن شهيد  الماستر حق الجميع أيوب الشلفي كان إنسانيا بقدر يتعالى على الإنسانية من حيث نظرته الشمولية لمصلحة الآخرين وخاصة أبناء الطبقة  الرثة التي رأى أنه لزاما على النظام القائم تمتيعهم بحقهم العادل والمشروع في ولوجهم لأسلاك الماستر، وهذه الجملة طالما رددها بلكنته الشمالية المميزة، ان أيوب يرقى إلى صفوف المناضلين الشرفاء بكل المقاييس ،لا لشيء إلا لأنه دعم المعركة – الماستر حق الجميع – وحاول تقديم كل ما بحوزته للمناضلين والمناضلات ،ولم يكتفي بذلك اذ قدم صحته كفداء للمعركة التي خرج منها بمرض عضال اقتاده إلى إجراء عمليات التصفية الدموية التي أدت به إلى فقدان حياته إثر المعاناة التي عانى منها إلى جانب المناضلات والمناضلين خلال مطالبتهم بفتح أسلاك الماستر بموقع القنيطرة، الناجمة عن قساوة المناخ بحره وبرده، والتي عصفت بعدد لا محدود من الطلبة المناضلين.
    ختاما نقول أن الأطراف السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية تتحمل مسؤولية وفاة هذا الشاب المغربي الذي كان بمقدوره أن يعطي الكثير لهذا الوطن الجريح لولا مقاومة النظام لطموحات الشباب والاجهاز عليها دون مبررات موضوعية، كما يمكن القول أن هذا المناضل البطل هو امتداد للشموع التي احترقت من داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مند مراحل التأسيس إلى يومنا هذا، فتحية  لكافة أرواح شهداء الشعب المغربي وعلى رأسهم الفقيد شهيد ملف الماستر حق الجميع، وعبره باقي الشهداء الأحرار.   

samedi 13 décembre 2014

واقع الجامعات المغربية: بقلم سعيد اجريفي

تعيش الجامعات المغربية أحداث رهيبة، خلال السنوات الأخيرة، وهذا راجع إلى وضعها المزري
ذ.سعيد اجريفي

لأنه من المحتمل أن تدخل في القطاع الخاص وليس العام كما هو جاري به العمل،هذا الوضع يجعل الطلبة ينتفضون ضد وضعهم المزري،يهتفون بشعارات تعبر عن معاناتهم اليومية من داخل الجامعات، يرددون شعارات موحدة منطوون ضمن نقابة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ذلك اللواء الذي يضم طلبة المغرب بمختلف توجهاتهم الإيديولوجية والسياسية...يقومون بمسيرات ومعارك نضالية، يرفعون فيها شعارات تكشف عن واقع الجامعات المغربية، والآن إليكم هذا المقتطف من الشعار الذي يرفع في المعارك النضالية المستمرة من داخل الجامعات المغربية ومن خارجها،عندما يرفع ذلك المقطع الذي يقول : "الفقر والعطالة داروا فينا حالة وفين العدالة؟ الجامعة مهزلة"... ترى كل الطلبة يطلبون النجدة لأنهم شباب مثقف حاصلين على شهادة الإجازة في مختلف الشعب والتخصصات، همهم الوحيد ينحسر في تحسين مستواهم المعيشي، وضمان الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية...لأنهم طلاب درسوا وناضلوا من أجل العلم في بلد لا يتبنى ثقافة العلم والمعرفة، هو شعار يعبر عن واقع الجامعات المغربية التي تعيش أحداثا رهيبة  ضمن مجتمع لا يؤمن سوى بثقافة العنف والقهر....، أضف إلى ذلك الشعار الذي قلنا أنه يكشف عن واقع الجامعات....،هناك شعارا آخر يزيد من غضب الطلاب يقول:"هذا مغرب الله كريم لا صحة لا تعليم هذا مغرب الزرواطة ما شي مغرب الكفاءة، بغينا مغرب الكفاءة ما شي مغرب الزرواطة"....
   إنه شعار يعبر عن واقع يؤمن فقط بلغة القمع، يغيب فيه التعليم، وتغيب فيه حقوق ضمان الصحة والكرامة، والخبز للجميع..، وتحضر فيه لغة العنف بشتى أنواعه، والطالب هنا يتحمل مسؤولية   مكافحة مخططات النظام القائم إزاء القضاء على مكتسبات الشعب المغربي  لا لأنه جزء لا يتجزأ من بين أفراد المجتمع، بل لأنه يمثل النخبة المثقفة من داخل المجتمع وهو المسؤول عن التعبير عن واقعه سواء كان هذا الواقع مريرا أو جميلا، لكن كيف يكون جميلا وأبناء وطنه يهتفون بشعارات تعبر عن واقع مرير، تعبر عن الفقر والعطالة وغياب  الصحة والتعليم والكرامة التي تعتبر شرط أساسي لضمان صيرورة الكائن البشري، فوجود الكرامة سمة أساسية من سمات الإنسان أينما حل وارتحل، ويرفق الشعار بسؤال "فين العدالة؟ الجامعة مهزلةَ...." الشعار هو تعبير عن واقع الجامعات المغربية التي تعيش أوضاعا مزرية، في مختلف المدن المغربية فلنأخذ على سبيل المثال لا الحصر "كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل القنيطرة"،فقد عرفت هذه الأخيرة معركة نضالية خاضها الطلبة المجازون قاطعوا من خلالها مباريات "الماستر" في مختلف الشعب لأنهم اعتبروها مباريات إقصائية تعتمد على المحسوبية والزبونية وتحرم الطلبة من حقهم في الولوج للسلك الثالث، وهذا الأخير هو من يؤهلهم لاستكمال الدراسة مادامت المباراة التي أجريت عبارة عن مسرحية لا تعتمد على الكفاءة فقد سار من المفروض على الوزارة فتح أبواب التكوين في السلك الثالث لا عن طريق المحسوبية والزبونية و...."، بل يجب على كل مجاز أن يتلقى تكوينا في هذا السلك بدون قيد أو شرط سواء كان ابن فلان أو علان....
   من هذا المنطلق انطلق بعض الطلبة المجازون وعملوا على تعبئة فئة غير قليلة من الطلبة المجازون ووضعوا شعارا يؤطر معركتهم النضالية اختاروا له اسم "الماستر حق الجميع"،مضمون الشعار واضح لكنه ليس كذلك في ظل وضع تغيب فيه لغة الحوار والتواصل وتحقيق المطالب بدون إحداث مسيرات احتجاجية تنادي بحقوقها العادلة والمشروعة والهادفة إلى السعي وراء التحصيل العلمي من أجل العيش في ظل وضعية أحسن لأن جهة الغرب الشراردة ابني احسن تعرف تهميشا منذ الأزل ومعظم الطلبة الذين يتابعون دراستهم بكل الآداب والعلوم الإنسانية ينتمون للطبقة الكادحة من داخل المجتمع، أي أبناء الشعب المقهور والمحروم من أبسط الحقوق ورغم ذلك يتابعون الدراسة ويطمحون في غد أفضل،هؤلاء خاضوا معركة نضالية دامت مدة مئة وخمسة عشر يوما أي ما يقارب ثلاثة أشهر ونصف ابتداء من شهر شتنبر الذي ابتدأت فيه مباريات الماستر بفتح ملفات الترشيح وإيداعها ثم انتظار صدور لوائح الطلبة الذين اجتازوا الانتقاء الأولي الذي اعتبروه الطلبة المجازون إقصاء أولي ويجب عليه أن يلغى، بعد كل هذا نشرت لوائح الطلبة الذين يجب عليهم اجتياز المباراة التي كان من المقرر أن تجرى في شهر شتنبر لكن الطلبة المجازون من مختلف الشعب قاطعوا هذه المباريات في مختلف التخصصات، ودخلوا في معارك نضالية بطولية ومسيرات جابت أرجاء الكليات انطلاقا من الآداب مرورا بكلية الاقتصاد والعلوم ونزولا بالرئاسة والعمادة، فقد تركزت أهم المعارك اليومية طيلة هذه المدة على هذه النقط وفي بعض الحالات كان الطلبة المجازون يخرجون إلى الفضاء العمومي لكي يصل صوتهم للمسؤولين عن هذا القطاع، قطاع التعليم العالي، من بينها الخروج "للنافورة "وسط المدينة ورفع شعارات تنديدية لتلبية الملف المطلبي المسطر والذي يحمل مطالب عادلة ومشروعة وعلى رأسها فتح ماسترات جديدة ورفع الطاقة الاستيعابية لأبناء الشعب المقهورين والمحرومين....ووقفات أمام المطعم الجامعي الذي يعرف خروقات عدة والحي الجامعي الذي عرف مجموعة من الخروقات من طرف المسؤولين....
  على العموم فقد عرفت المعركة النضالية التي خاضها الطلبة المجازون عدة أشكال نضالية بطولية لكن للأسف الشديد لم تتوج بما كان يطمح له الطلبة، الأمر الذي جعلهم يتخذون خطوات نضالية انتحارية تمثلت في مبيتات ليلية في ظل فصل الشتاء...،التي رافقتها هجمات شرسة من طرف قوات جحافل القمع التي كادت أن تتدخل في صفوف الطلبة المعتصمين من داخل الرئاسة لولا الانسحاب الطاكتيكي الذي جعل المجازون ينسحبون من المعتصم، وضرب موعدا لاحق للحوار الذي أطلقوا عليه لغة الحوار الحاسم لكن للأسف لم يكن كذلك، واستمرت المعركة من داخل الجامعة واشتدت الأنفاس ليوم الحوار الذي أجج الأوضاع وزاد من سخط الطلبة المجازون لأن الحوار لم يكن كما كان يطمح له الطلبة، وبالتالي قرروا الانسحاب من الحوار والدخول في إضراب عن الطعام لمدة 72 ساعة أي ثلاثة أيام ابتداء من يوم الثلاثاء 17 دجنبر ومبيت ليلي كان هذا مقررا سلفا لأن المجازون كانوا يرجحون هذا الاحتمال من قبل أي أنهم كانوا على دراية بأن الحوار لن يجدي نفعا الأمر الذي جعلهم يخوضون مواقف انتحارية كادت أن تحدث ضجة في العالم بأسره،التحق المجازون بالرئاسة بغية المبيت الليلي وهم مضربون عن الطعام، إلى حدود الساعة الثانية عشر ليلا تفاجئوا بوجود ترسانة من الجهاز القمعي الذي كاد يتدخل لولا إسرار الطلبة المجازون بالتشبث بملفهم المطلبي  ينشدون شعار مثير يقولون فيه:"وعدنا الأمهات الماستر أو الممات"واستمر الأخذ والرد أخرجوا أو نتدخل، عددهم يفوق الخمس مئة وعدد الطلبة حوالي مئة وعشرون طالبا مجازا والمناضلون الذين يحملون هموم الطلبة ويساندونهم في محنتهم.احتدم الصراع بينهم لولا مناضل من الطلبة المجازون ناشط من داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أقدم على إحراق ذاته لو تدخل الجهاز القمعي وليس ذاته فحسب، بل كادت أن تكون محرقة جماعية، وفعلا فقد صب على نفسه "ليصانص" أي الوقود وعلى كل الطلبة وحذروهم من  التدخل فبعد إقدامهم على هذا المقترح وتفعيله كادت أن تكون محرقة جماعية في صفوف هؤلاء الطلبة المجازون الذين يطالبون الجهات المسؤولة بتحمل مسؤوليتها فيما كادت أن تؤول له الأوضاع لولا تراجع الجهاز القمعي وانسحابهم بشكل كلي من الرئاسة ،وعمت الفرحة في صفوف الطلبة المجازون على هذا الربح بذل الخسارة التي كادت أن تحل في صفوفهم، وظل المبيت متواصلا إلى حدود الساعة الثالثة مساء من يوم الأربعاء حين خرج الطلبة المجازون بمسيرة طلابية غاضبة تريد أن تحكي مع طلبة الإجازة الأساسية ما حدث وما يمكن أن يحدث...وفجأة تلقت طالبة مجازة  مكالمة هاتفية تخبرها بأن الجهاز القمعي دخل الرئاسة فوجد بعض الطلبة المجازون الذين تركوهم لكي يراقبوا الأمتعة من أغطية وملابس وشواهد الإجازة والبطائق الوطنية....كل هذه الأشياء وأخرى كالحواسب والهواتف النقالة....وضعت قيد الحجز، وبعد سماع الخبر توجهت مسيرة طلابية حاشدة نحو الرئاسة ترى ماذا يحدث فوجدوا قلعة بوليسية وترسانة عسكرية اقتحمت الرئاسة وحجزت ممتلكات الطلبة، بعدها رفع الطلبة المجازون شعارات الرحيل لكن الجهاز القمعي بدأ يرمي الحجارة على الطلبة المجازون والمناضلين وعلى كل الطلبة وكادوا يقتحمون الحرم الجامعي لولا صمود الطلبة ورميهم بالحجارة التي يضربون بها لأن ساحة الجامعة تنعدم فيها الحجارة، واستمرت المواجهة إلى أن توقف الطلبة المجازون عن موقف استمرار المبيت الليلي والإضراب عن الطعام وضياع الأمتعة.... أما يوم الخميس فقد تسرب اليأس في صفوف المجازون الذين تكبدوا المعاناة حوالي ثلاثة أشهر ونصف يناضلون من أجل ملف مطلبي عادل ومشروع في نظرهم وفي نظر الطرف الآخر اختراق للقانون لأن القانون صيغ بالشكل التالي: "حلال علينا وحرام عليكم"؟. ما مصير المعركة النضالية؟ وما مآلها..؟
    توالت الأحداث وأراد الطلبة العودة من جديد للمعتصم لكنهم وجدوا من ينتظر وصولهم إنها الترسانة القوية التي طوقت الجامعة من كل الجهات، ينتظرون لحظة الانطلاق لكي ينقضوا على الطلبة فتراجع الطلبة المجازون للوراء وناشدوهم بإرجاع الأمتعة للطلبة وبعدها تراجعوا وعادوا إلى ساحة الجامعة....ولا زالت هذه الأحداث مستمرة خاصة بعد الإعلان عن مباريات الماستر التي ستبدأ انطلاقا من يوم الخميس 26  من الشهر الجاري،ومن المحتمل أن يلجأل الطلبة المجازون إلى مقاطعة كل المباريات، ومن المحتمل أن تجرى المباريات بحضور الجهاز القمعي......؟؟؟؟
   وبالفعل بعد التطويق الرهيب الذي شهدته جامعة ابن طفيل، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية على وجه الخصوص، تم إجراء امتحانات الاجازة الأساسية تحت التهديد و القمع لجحافل القمع التي قامت بإنزال ترسانتها إلى الحرم الجامعي، وإثر ذلك تمت اعتقالات بالجملة، ليحتفظ بخمس مناضلين من داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ذنبهم الوحيد أنهم تبنوا هموم الجماهير الشعبية،لكن الأمر لم يقتصر على هذا الحد بل تجاوزه إلى أبعد من ذلك بكثير اذ قامت جحافل القمع باعتقالات بالجملة مع بداية هذا الموسم الجامعي إثر مطالبة الجماهير الطلابية بحقها المشروع في استغلال الحافلات بدرهم رمزي بفعل تحصين مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب هذا المكسب منذ زمن سحيق،فتم اطلاق سراح البعض وتم الاحتفاظ بخمس مناضلين من داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب،وتكريس استمرارية العنف الممارس على أبناء الشعب،والاجهاز على مكتسباتهم التاريخية وضرب مجانية التعليم.
   هذا كان بمثابة حدث يعبر عن واقع الجامعات المغربية، أي ذلك الواقع المرير الذي تهمش في ظله أبناء الشعب، لأن واقع الحال فرض عليهم العيش في ظل التهميش والتفقير والتقشف.... في ظل واقع صعب، لكن رغم صعوبة الوضع، هناك أمل في تحسين الوضع، صراحة ينبغي على الجهات المسؤولة من داخل قطاع التعليم العالي إيجاد حل وسط عوض سياسة القمع والترهيب النفسي والتعذيب الجسدي، الذي يحصل للطلبة في كل المواقع الجامعية في المغرب،لأن قطاع التعليم العالي لا يؤهل سوى للتدريس وبالتالي يجب إعطاؤهم فرصة استمرار متابعة دراستهم في السلك الثالث.
    لكم مني أطيب المنى. وحظ سعيد من سعيد. كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل القنيطرة موقع الأحداث المرعبة التي تعيشها الجماهير الطلابية المجازة في كل يوم.  

 بالفيديو:اقتحام القوات القمعية لحرم الجامعة ومطاردة الطلبة
    

dimanche 27 avril 2014

جسوس مات،جسوس لم يمت،-ترسيخا لثقافة الاعتراف-

ميلود العلواني


   لقد فقدت قارة السوسيولوجيا علما بل نجما لامعا في التنظير السوسيولوجي صباح يوم أمس الجمعة بالرباط العاصمة،إنه الرجل السياسي و العالم و المنظر السوسيولوجي ،بل مؤسس و مقعد الفعل السوسيولوجي بمغرب بعد الاستقلال السياسي.
   محمد جسوس القائل "إنهم يريدون خلق جيل من الضباع" و الذي قيل في حقه : "إن محمد جسوس، يعتبر بمثابة علامة فارقة في تاريخ السوسيولوجيا المغربية، بالنظر إلى الدور المتميز الذي لعبه منذ نهاية ستينات القرن الماضي في تكوين أجيال عديدة من السوسيولوجيين، وبصفة خاصة في انفتاح الجامعة المغربية الناشئة على مقاربات نظرية وممارسات ميدانية جديدة سمحت بتأسيس خطاب سوسيولوجي متميز بعقلانيته ونزعته النقدية من جهة، وبحرصه على التقيد بالاشتغال في حدود العلم ووفق ضوابط ومقتضيات كانت بدورها في طور التأسيس، ساهم محمد جسوس بحظ وافر في تقعيدها وترسيخها" طبعا يستحق كل ما تداولته الأقلام الوفية لانجازات الرجل القيمة و ارشاده لمعتنقي التفكير النقدي و الجدي بالقضايا السوسيولوجية من خلال رسمه القويم لنهج الفكر السوسيولوجي ،و لعل إنجابه لدكاترة أكفاء و محنكين في تناول الظواهر الاجتماعية تناولا موضوعيا ، دقيقا و نقديا ،من قبيل الدكتور عبد الرحيم العطري و ادريس بنسعيد ،المختار الهراس و القائمة طويلة...
انه العالم و الرائد السوسيولوجي الذي سرقته السياسة عسافا والتي قدم فيها الشيئ الكثير سعيا وراء تكريس مبادئ الدمقرطة الاجتماعية بالمغرب رغم المخاضات العسيرة التي كان يشهدها المشهد السياسي و لا زال يشهدها .
   لقد ولد محمد جسوس سنة 1938 في مدينة فاس ،ليرتحل بعدها إلى العالم الجديد سعيا وراء حبة فهم وتقصيا للمعنى في زمن اللامعنى ليحصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة برنستون الأميركية سنة 1968، ليعود أدراجه إلى موطنه الأم سنة 1969 ليحصل على كرسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس -الرباط فواصل العمل بها أستاذا لعلم الاجتماع منتجا ضربا عميقا من المعنى، إلى حين إحالته على المعاش سنة 2004 ،فرغم إنتاجه الكثيف للتنظير السوسيولوجي إلا آن قلمه كان بخيلا شيئا ما لأنه احتكم إلى سلطة الشفوي ، لكن ما جنبه الانتقاد اللاذع هو تركه الخلف لخير سلف و لعل الدكتور عبد الرحيم العطري لخير دليل على ذلك .
   ختاما لا يسعنا إلا أن نقول لقد صدقت أيها الجسوس لقد سارعوا إلى خلق ذاك الجيل من الضباع ، و أننا نقتضي بإرشاداتك السوسيولوجية قلبا وقالبا حتى يتسنى لنا الانفلات من سياسة التضبيع تلك،و بالتالي فإنك حي و لم تمت.

يا شيوعيو العالم اتحدوا !!!



لماذا تخشى الأنظمة الرجعية من الماركسية العلمية؟

ميلود العلواني


إذا كانت الشيوعية في تعريفها العام الذي قدمه فريدريك انجلز في كتابه القيم "مبادئ الشيوعية ":هي علم تحرير الطبقة البروليتاريا , و "البروليتاريا هي الطبقة التي –من بين كل طبقات المجتمع– تعيش كليا من بيع عملها فقط، لا من أرباح أي نوع من أنواع رأس المال. ولا تتوقف معيشتها بل وجودها ذاته، على مدى حاجة المجتمع إلى عملها، أي أنها رهينة فترات الأزمة والازدهار الصناعي وتقلبات المنافسة الجامحة. بإيجاز إن البروليتاريا هي الطبقة الكادحة لعصرنا الراهن."
إذن وانطلاقا من المفهومين الذين قدمهما انجلز للشيوعية والطبقة البروليتاريا يتضح السبب المحوري أو الجوهري وراء محاربة الأنظمة الفاسدة والمتعفنة في كل ربوع العالم لكل من النظام الشيوعي والاشتراكي على وجه الخصوص، فنداء كارل ماركس لعمال العالم أن يتحدوا لم يكن من فراغ وإنما جاء كنتيجة لفطنة الرجل الذي احتقر النظام الرأسمالي الذي بضع المنتجات والناس على حد سواء وفي هذا التبضيع القسري للناس تم استغلالهم بشتى الطرق، بداية من قيمة العمل إلى فائض القيمة وهلم جرا ...
و مادامت الاشتراكية و الشيوعية تسعى في ظاهرها إلى القضاء على كل أوجه الاستغلال و الهوة بين الطبقات المخملية أو المالكة لوسائل الإنتاج عسافا أي الطبقة الرأسمالية المستبدة و المحتكرة لكل منافذ صناعة القرار و تحطيم الطبقات المالكة، سعيا وراء ديكتاتورية البروليتاريا التي تستحق القبض بزمام الأمور و تمتيع الطبقات الشعبية بالرفاه الاجتماعي، و العيش في مجتمع لا طبقي، أي خال من الصراع الطبقي، لكن ذلك لم يتكلل بالنجاح في مختلف الدول التي تبنت النظامين نظرا لشره الطبقات الحاكمة المستبدة، و يتضح ذلك من خلال حملات الاعتقال و التعذيب و التنكيل و التقتيل لكثير من نشطاء اليسار بشكل عام، بداية من المهدي بن بركة ،عمر بن جلون، سعيدة المنبهي ،فرج فودة...
إذن أكرر يا عمال العالم و فلاحيه و طلابه و فقرائه اتحدوا و تصدوا للنظام الرأسمالي المتعفن الذي استنزف خيرات البلدان و أبسط هيمنته على العالم من خلال الحملات الامبريالية و الإيديولوجية المتعفنة المعتمدة على التقنية التي كرست للاستلاب كما وضح كارل ماركس.

إمبراطورية الإعلام و انحلال القيم


ميلود العلواني

بديهي و موضوعي أن يندغم الحقيقي و الوهمي في حقل عالم افتراضي و فجوة رقمية عميقة تمخضت عن ما يصطلح علية بـ " الحداثة " هذا المفهوم الشبه الهلامي أو الخلاسي الذي إرتبط أساسا بالتقنية حيث صار العلم تقنيا بامتياز و الذي تمخض عنه طفو آليات تتميز كل منها عن الأخرى , و مختلقة باختلاف الفضاءات , السياسية , الاقتصادية و العسكرية والاجتماعية ....هذا إضافة إلى العدة الإلكترونية المسخرة للحرفة الإعلامية و المرتبطة أساسا بعتاد الاتصال المقروءة منها و المسموعة و المرئية , وهذه الأخيرة هي ما يطرق أبواب بصرنا و بصائرنا , و أخيرًا و ليس بالأخير آن لنا أن نطلق العنان لسؤال مفصلي مفاده , ما مدى تأثير المادة السمعية البصرية في سلوكيات الناس ؟و إلى أي حد تسهم في غرس بعض القيم و صقلها لدى الشرائح الاجتماعية ؟ 
في وقتنا الراهن أصبحنا نعيش عالما آليا بامتياز بحكم العوالم الافتراضية و الفجوة الرقمية التي طرحت بساطها على الخريطة الحياتية للجنس البشري و التي تنكرت في زي حسناء خطفت العقول و الأفئدة و غُيب فيها الجانب العقلي ليحل مَحَله الجانب الغرائزي إن لم نقل الشهواني بمعنى طفو مبادئ المذهب الأبيقوري على سطح الفكر الجماهيري الذي أصبحت العبارات الماجنة عملته المتداولة و الحديث عن الأجساد الشبه عارية أو العارية و المؤخرات و الصدور المكتنزة معادلة جبرية في حوارات الباحتين عن اللذة أو الفردوس المفقود حسب عبارة "جون ماري بيام " و ذاك مرده إلى ما يبثه الصندوق العجيب من صور خليعة مشحونة برموز اللذة الرخيصة و المجانية التي تدفع فاتوراتها باهضة الثمن على مستويات عدة منها انحطاط القيم الإنسانية و تدهور الصحة النفسية و هلم جرا ...
سابقا اتصف التلفزيون الانجليزي بالتفاهة حسب تقرير Bilkington لينتقل الفيروس إلى التلفزيون الفرنسي عن طريق "جاك ثبو" الذي اعتبره مفرغا من المحتوى الثقافي , لكن السؤال الذي يحتم علينا طرحه هو : هل صار التلفاز و التلفاز الرقمي بالأساس تافها ؟ 
حقيقة أصبحنا اليوم نعيش أزمات إعلامية مستعصية بفعل ما يبث عبر" شبكة الساتلايت " من برامج تتنافى و المعايير الأخلاقية المتعارف عليها في المجتمع و أقصد هنا بعض الأقمار التي أصبحت بمثابة سوق لترويج اللحوم البشرية بأثمنة زهيدة غيب فيها الجانب الأخلاقي و روح الكرامة الإنسانية , وطفا على سطحها روح الكسب و الاسترزاق على حساب ضعاف العقول , الذين اتخذوا المادة الإعلامية صنما يخرون له سجدا طوال اليوم , و في هذا السياق سنأخذ نموذجين اثنين و يتعلق الأمر بقمري Hotbird و Most 21 و اللذان داع صيتهما في الأوساط الحضرية و القروية داخل التراب المغربي , و لعل الوسط القروي تضرر بوثيرة كبيرة من سيل التيار الجارف للصور الماجنة المودوعة في هذه الخزنة السحرية التي تمكن أي كان من تفحص الجسد البشري بكل حرية و يَسر , حيت صادفنا حالات عديدة للإدمان على مشاهدة البرامج " البورنوغرافية " في الفضاء القروي بحكم اشتغالنا على برمجة أجهزة الفيديو , و لعل ذلك راجع إلى ارتفاع و وثيرة الأمية أو الغياب التام للثقافة الجنسية و حضورها كطابو داخل الأسر التقليدية , هذا حسب بعض التحليلات لكن تحت مجهر العين السوسيولوجية يرجع السبب الرئيسي إلى التأثير المكثف و الحاد أو الاستلاب للعدة الإعلامية0 و خاصة التلفزيون الرقمي في نشر ثقافة العودة إلى واقع المجتمعات البدائية بمعنى المشاعية الجنسية , ولعل الامتثال لهذا الأمر أصبح ملموس في الوسط القروي مع مختلف الشرائح العمرية , و الذي كان له وقعا كبيرا على اختلال توازن العلاقات حيث سادت التحرشات الجنسية و غاب جانب الوقار , و اتسعت شبكة العلاقات اللاشرعية بعدما كانت في المجتمعات ما قبل كهربائية تعتبر جريمة مخلة بقيم الجماعة و الأعراف , لكن هذا منطقي فإذا قمنا بجرد بسيط لقنوات هذين القمرين السابقي الذكر لوجدنا القنوات المحملة بالنكهة الجنسية تتصدر القائمة , و بالتالي غاب الواقعي و تجدر الوهمي . 
إذن هل أصبحنا نتغذى على الوهم في عالم أسطوري قوامه النت و التلفاز الرقمي ؟ و هل ثمة ترياق لمقاومة هذا السرطان الذي فتك بقيم المجتمع ؟


تأملات في زمن الاعتقال السياسي السري بالمغرب


 

ميلود العلواني

 الاعتقال السياسي هو قضية من القضايا الطبقية الكونية التي ترتبط بشكل مباشر بالأنظمة الديكتاتورية التي تسعى دائما وراء احتكار السلطة لنفسها دون اشراك باقي الأطراف المعارضة،وبالتالي عزلها عن الساحة السياسية والاجتماعية عن طريق الاعتقال والزج بها في غياهب المعتقلات السرية والسجون،فما المقصود بالمعتقل السياسي؟

    يحيل مفهوم المعتقل السياسي إلى كل شخص تم توقيفه أو حجز حريته بدون قرار قضائي بسبب معارضته للنظام في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي أو تعاطفه مع معارضيه أو مساعدته لهم او بسبب مبادئه السياسية أو دفاعه عن الحرية .
    تميز مغرب ما بعد الاستقلال الشكلي بانتشار بطش الايادي  السوداء من خلال الاغتيالات وغزارة الاعتقالات السياسية  ضمن صفوف المعارضين للسياسة التي ينتهجها النظام القائم آنذاك،وخاصة المتسلحين بالفكر الماركسي الرامي إلى قلب البنية من خلال الثورة على صناع القرار الذين يحكمون بالنار والحديد تارة والمكر والخديعة تارة أخرى،لكون المغرب كان يعيش تحت سلطة الاستثناء،وكان الطابع المميز للممارسة السياسية هو القمع والاكراه  والاستبداد،ومن هذا المنطلق آثرت الانطلاق من دجنبر 1959 حين تم اعتقال الفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي فحوكم الأول ب 6 أشهر و الثاني بشهر واحد،على خلفية تآمرهما لاغتيال الحسن الثاني آنذاك. كما شكلت أحداث مولاي بوعزة 1973 أرضية خصبة للاعتقال السياسي الذي طال مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،بمعتقلات الترهيب السرية سيئة الذكر(درب مولاي الشريف بالدارالبيضاء،الكوربيس بذات المدينة،قلعة مكونة،تازمامارت،تمارة، دارالمقري بالرباط...) بعد اختطافهم و التنكيل بهم ولعل المناضل أحمد بنجلون و سعيد بونعيلات خير دليل على التربص الرهيب الذي انتهجه النظام الحاكم وقتئذ،حيث تم اعتقالهما بالعاصمة الاسبانية مدريد من طرف الشرطة الاسبانية يوم 29 يناير 1970،لتتم إحالتهما على المغرب عبر تسليمهما للشرطة السرية المغربية،التي نقلتهما عبر طائرة عسكرية بعد أن تم تقييد يديهما إلى الخلف و ربطهما من الأرجل بسلسلة حديدية متكونة من 73 حلقة واستبدال غطاء الرأس بعصّابة سوداء مع الأمر بالجلوس تحسبا لقيام المعتقل بأي حركة ،لأن الشرطة كانت تعتقد بخطورته كما جاء على لسان أحمد بنجلون.وبقيا على هذا الوضع حتى بعد أن زجا بهما وباقي المناضلين الحركيين في المعتقل السري دار المقري،وفي هذا يقول أحمد بنجلون:"...أما المكان الثاني فإنه دار المقري،كنت أقضي في المكان الذي وضعت فيه الليل و النهار ويداي مقيدتان وراء ظهري،وسلسلة حديدية على رجلي ،كنت أحس في بعض الأحيان أن لدي عدة أدرع،لقد كان الاحساس بألم القيد طاغيا إلى أبعد الحدود وكنت أجد صعوبة في الانتقال من وضعية إلى أخرى".وأضاف قائلا:"لقد قضيت سنة تقريبا وأنا في الاعتقال السري تحت التعذيب و الاستنطاق قبل أن نخرج إلى العلن عند قاضي التحقيق،ونحال على المحكمة لكي تقول كلمتها فينا ،المهم هو أن أوفقير أخذ يسألني عن بعض الأسماء الحركية في تنظيمنا مثل الحاتمي و غيره".
   أوفقير، العشعاشي، الدليمي،قدوراليوسفي،الحمياني...هم الجلادون الذين سهروا على الاختطافات الرهيبة والاستنطاقات الجهنمية الدموية لخيرة أبناء الشعب، سعيا وراء تشتيت التنظيمات الرامية حسبهم إلى إنشاء الجمهورية على أنقاض النظام القائم من خلال تحالف العمال مع الحزب الثوري استنادا على حرب التحرير الشعبية ،أما أفازاز وعبد اللطيف اللعبي... فهم الذين ترأسوا عدة محاكمات سياسية أفضت إلى الحكم على مئات الشباب الطامح إلى التغيير بقرون من الزمن في ظل محاكمات صورية،تحت دريعة ملفات مفبركة وصورية كذلك ، إذ أنه رغم الاختلافات في التوجه الايديولوجي بين أعضاء التنظيمات إلا أنه تمت محاكمتهم على خلفية ملفات موحدة واعتقلوا بمعتقلات سرية واحدة،ولعل محاولة استئصال الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،خلال 1973،أي بعد أحداث مولاي بوعزة أو ما يعرف بأحداث 3 مارس وهي أحداث ناجمة عن تسرب عناصر مغربية من الحدود الجزائرية إلى داخل الوطن،والتي حوكم بمقتضاها 160 معتقلا تحت صك اتهام مفاده أن هناك مؤامرة كانت تحاك ضد الأمن الداخلي للبلاد حيث تضمن أن هناك تدبيرا مسبقا تمثل في أنه كانت هناك تداريب على حمل السلاح أقيمت في بعض الدول العربية من قبيل سوريا والجزائر تحت إشراف الفقيه محمد البصري،سعيا وراء القيام بتمرد داخلي في الأطلس المتوسط،لأن الاحتقان الذي كانت تشهده البلاد سيساهم في ثورة قبائل الأطلس والجنوب بمجرد إطلاق أول رصاصة وبالتالي ستعمم الثورة على باقي جهات وأقاليم الوطن من شأنها أن تؤدي بتغيير النظام أو إسقاطه، مما استدعى محاكمة المعتقلين ال 160 محاكمة عسكرية بمدينة القنيطرة كان بطلها عبد اللطيف اللعبي الذي ترأس جملة من المحاكمات السياسية أهمها محاكمة مراكش 1971،والتي صنف خلالها المعتقلين ال 160 إلى معتقلين سياسيين ومعتقلين عسكريين،وبالتالي صدرت أحكام براءة في صفوف المعتقلين السياسيين وفي المقابل تراوحت أحكام المجموعة الثانية بين الإعدام وخمس سنوات سجنا نافذا،حيث تم إعدام 20 معتقلا،من المجموعة الثانية،أما أفراد المجموعة الأولى فرغم أحكام البراءة التي صدرت في حقهم كما غطتها الاذاعة و التلفزة المغربية و كذا جريدة العلم ووكالة المغرب العربي للأنباء، إلا أنه تم ضرب كل ذلك عرض الحائط حيث تم تجاوز كل الاعتبارات القانونية والإنسانية بعدما تم نقل المحكوم عليهم بالبراءة إلى المعتقل السري بتمارة بعدما وضعوا عليهم العصّابات و قيدوهم بالأصفاد،حيث قضوا 6 أشهر هناك،ومن ضمن هؤلاء نجد:(عمر بنجلون،محمد اليازغي،اسماعيل عبد المومني،أحمد بلقاضي،توفيق الادريسي،عمرالخطابي،مصطفى القرشاوي،عبد العزيز بناني...) ليتم بعدها تقسيمهم إلى 3 مجموعات،أولاهما شكلت من 32 معتقلا،وهم الذين تمت إحالتهم على القضاء من جديد،على خلفية ملف مفبرك يتعلق بمحاولة اغتيال الحسن الثاني و التخطيط للهروب من السجن ،سعيا وراء احتلال السفارة المغربية بلندن، ليتم إعادتهم الى السجن المركزي بمدينة القنيطرة فأطلق سراحهم خلال شهر غشت 1974 وحوكموا في المحكمة الجنائية بالرباط خلال 1976 حيث أصدرت في حقهم أحكام بالبراءة،أما أفراد المجموعة الثانية فتم نقلهم الى المستشفى بغاية إطلاق سراحهم فيما بعد ومن بينهم محمد الحلوي و بلقاضي و محمد اليازغي الذي نقل حينها إلى مدينة افران ووضع تحت الإقامة الجبرية إلى غاية شهر يونيو 1974 وهو زمن الإفراج عنه،بينما وزع أفراد المجموعة الثالثة على معتقلات سرية أخرى من قبيل قلعة مكونة،درب مولاي الشريف،تازمامارت أو دار المقري...
   إن الهاجس القمعي والتصفوي الذي خيم على النظام خلال 1973 أدى إلى اعتقال مايزيد عن 5000 مناضل اتحادي وزعوا على المعتقلات السرية سابقة الذكر، إذ احتضن درب مولاي الشريف ما بين 300 و400 مناضل اتحادي بينما تم الزج ب 1300 آخرين بالكوربيس بآنفا، بالاضافة الى محاصرة ومداهمة وإغلاق المقرات الحزبية الاتحادية سعيا وراء القضاء على التنظيم الذي أزعج النظام وأربك حساباته،لكن رغم الحسابات الدقيقة التي أجراها وخططها صناع القرار فإنها لم تأتي أُكلها لأنهم عالجوا الأزمة بأزمات أكثر حدة و تعقيد، وبالتالي أفسحوا المجال بمصراعيه أمام اليسار الجديد الذي خرج بقوة وبحجم كبير خلال هذه المرحلة، بداية من فاتح ماي 1973 والمتمثل في الحركة الماركسية اللينينية التي آمنت بقيام نظام جمهوري عن طريق التحالف مع العمال و الفلاحين والحزب الثوري ومنه خوض حرب التحرير الشعبية،والتي من شأنها إعطاء الكلمة النهائية للشعب للفصل في الاتجاه الذي يجب أن تسير وفقه حركة التاريخ،ولعل هذا المشهد سبق له أن حدث خلال 1965 حين النكسة التي شهدها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية،وعدم قدرته على تحمل مسؤولية مجابهة النظام شديد البأس،وخاصة بعد أحداث 23 مارس 1965 الدامية بشوارع الدار البيضاء التي قادها محمد أوفقير وقتئذ ،بفعل الانتفاضة الشعبية التي جاءت كنتاج لقرار بلعباس القاضي بمصادرة حق أبناء الجماهير الشعبية في التعليم مما دفع الجماهير الشعبية للخروج إلى الشوارع للدفاع عن مصالحها الطبقية، فعمد النظام كعادته على قمع الجماهير المنتفضة و شن حملة اعتقالات في صفوف الجماهير الشعبية كانت هي الأوسع مقارنة مع الفترة التي سبقتها من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال الشكلي حتى 1965،وبحكم الانكسار العميق الذي أصاب نفوس أبناء ألشعب بدأت تتشكل تنظيمات ماركسية لينينية مؤطرة بالفكر الاشتراكي العلمي، فكر الطبقة العاملة، تمثلت في منظمة إلى الأمام،منظمة 23 مارس ولنخدم الشعب،فبالنسبة للأولى خرجت من رحم التنظيم الذي كان يعرف ب "أ" وهي الجماعة التي انشقت على حزب التحرر والاشتراكية وهي التي تحولت فيما بعد إلى منظمة إلى الأمام ،و"ب"هي الجماعة التي سهر على تقعيدها مناضلين من قبيل(عبد اللطيف الدرقاوي، سيون أسيدون، كمال الحبيب، محمد باري) التي تكونت بعد تكتل الأنوية الطلابية والتلاميذية وبعض القيادات السياسية اليسارية الشابة، إضافة إلى بعض الطلائع النقابية وبعض رموز الحركة الثقافية الثورية خلال الستينيات وخصوصا بعد أحداث 23 مارس 1965 والتي تم توحيدها خلال 1970، وبالتالي أنتجت ما يسمى بمنظمة 23 مارس، وبعدها منظمة لنخدم الشعب ذات المرجعية الماوية (نسبة إلى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ)،الذي له كتاب صغير تحت عنوان "لنخدم الشعب"والتي لعب فيها كل من عمر الزايدي ومحمد شغو الدور الأكبر.
   لقد تعرضت الحركة الماركسية اللينينية لتضييق خانق من لدن النظام القائم و المتمثل في الاعتقالات المتتالية بداية من 2 ،3 ،4،5،و6 نونبر 1974،وذلك نظرا للالتحام الكبير الذي شهدته الحركة مع الجماهير الشعبية،مما جعل النظام يهرع إلى الاعتقالات بالجملة في وسط هذه الحركة التي خرجت الى الوجود بقوة لم تكن متوقعة والزج بمناضليها في غياهب المعتقلات السرية من قبيل المعتقل سيء الذكر درب مولاي الشريف الذي كان في البدء عبارة عن مخفر رسمي للشرطة بالحي المحمدي لفترة من الزمن، بيد أنه تحول فجأة الى معتقل سري ،يسكنه عناصر من قوات التدخل السريع بالأعلى ويزج بالمعتقل السياسي بالطابق السفلي وهو عبارة عن مكاتب وممرات ضيقة،وكان يدخله المعتقل وهو معصوب العينين ومكبل بالأصفاد،مع الشتائم و السباب والقذف بالكلام السوقي والفاحش والضرب المبرح من طرف الجلادين، مما يجعله لا يعي الوجهة التي يسلكها خاصة إذا كان من مدينة أخرى بل حتى أن القليل من معتقلي البيضاء من كان يعي وجهته من قبيل المناضل الماركسي اللينيني صلاح الوديع الذي ناضل الى صفوف الجماهير من داخل منظمة 23 مارس،و الذي دخل درب مولاي الشريف في ربيعه 12 في زيارة لوالده المعتقل الاتحادي، ثم عاد إليه وهو معتقل سياسي في سنه 22 ،حين تم اعتقاله يوم 8 نونبر 1974 على الساعة 11و20 دقيقة صباحا،والذي قضى في نفس المعتقل 17 شهرا قبل إحالته على المحاكمة ،تحت سياط الجلاد بمختلف تلاوين التعذيب والتنكيل، كالتجريد من الملابس المدنية وتعويضها ببذلة كاكية والتي لايحق له استبدالها إلى غاية الخروج من المعتقل كما أنه كان محروما من الاغتسال طيلة المدة التي قضاها هناك مع التجويع المستمر، اللهم ما يسمح له بالبقاء على قيد الحياة، حيث كان يقدم للمعتقلين خبزة "معجنة" مع كوب من الشاي في الصباح الباكر، والقطاني خلال الظهر و الليل،الحمص،الفاصوليا،الأرز أو الفول،كما يجبر على حلق الرأس،وعصب العينين ومنعه من الكلام مع أي كان حتى في حالة رغبته في قضاء حاجته البيولوجية كان لزاما عليه طلب ذلك من "الحاج"لأن الحراس من داخل الزنازين كان يطلق عليهم لقب الحاج،فكل هؤلاء الحُجّاج، كانوا يمثلون الجلاد والجزار الذي يسهر على تلقين خيرة شباب المغرب حصص من العذاب المبين داخل الزنازين والمتمثلة في جملة من اشكال التعذيب من قبيل الخنق بالماء الممزوج بالصابون أو أي مادة أخرى من مواد النظافة من قبيل "كريزيل"،ثم هناك الفلقة المباشرة،أو"البيروكي":أي يتبث المعتقل من يديه ورجليه على عمود أفقي يقف على عمودين آخرين،حيث يكون رأسه على مقربة من الالتصاق بيديه ورجليه،وظهره مقوسا ويضرب على رجليه في تلك الوضعية،وهو أقصى أنواع الضرب خاصة حينما يتم بشكل بطيء مع إضافة الملح والماء على الجروح،حينها يصبح المعذُب غير قادر على المشي،وفاقدا الإحساس بقدميه،كما أن هناك ما يعرف بالطائرة أو"الطيَارة" وهي  وضعية "البيروكي"مقلوبة.
إن هذه الأنواع من العذاب التي تعرض لها الآلاف من الشباب المناضل داخل زنازين التعذيب بالمعتقلات السرية من قبيل دار المقري، قلعة مكونة، أكدز،"الكومبليكس" ،تازمامارت،تمارة،الكوربيس...،درب مولاي الشريف الذي استقبل خلال شهر يناير 1975 ما يزيد عن 600 معتقل،وهي المرحلة الاولى المرتبطة بالتحقيقات و الاعتقالات التي طالت مناضلي الحركة الماركسية اللينينية من أجل القضاء عليها كما تصور جهاز المخابرات السرية،وهنا تمت إحالة مجموعة من المناضلين الى المحكمة التي أدانتهم بأحكام ثقيلة تراوحت بين 5 سنوات و الإعدام ،إذ كان عددهم 169 بعد الغربلة و التصفية خلال 1975، حيث أدت بكثير من المناضلين الى مفارقة الحياة بعد صمودهم تحت نيران آلة التعذيب الجهنمية والامتناع عن تقديم أي اعتراف من شأنه أن يضر بالتنظيم الذي ينتمون إليه، وفي هذا المضمار نذكر المناضل عبد اللطيف زروال، القائد الشيوعي، الأممي، الثوري وهو قيادي وعضو الكتابة الوطنية لمنظمة " إلى الأمام " الذي استشهد تحت سياط الجلادين بالمعتقل السري درب مولاي الشريف حيث كان آخر ما نطق به "أموت فداك يا وطني"، وكان ذلك يوم 14 نونبر 1974 ،وكذا رفيقه أمين التهاني المسؤول والقيادي في نفس التنظيم، ابن وجدة البار الذي تم اختطافه وزوجته يوم 27 أكتوبر 1985 واقتيادهما لنفس المعتقل حيث استشهد يوم 6 نونبر 1985 من جراء التعذيب الذي تعرض له منذ لحظة القبض عليه، كما لا ننسى استماتة عبد الله زعزاع في الصمود وهو من قيادي منظمة  الى الامام كذلك،والذي حوكم بالمؤبد الى جانب أبراهام السرفاتي، عبد الفتاح الفاكهاني،بلعباس المشتري،وعبد الرحمان نوضة.
   وعلى سبيل التذكير فإن حصص الاعتقال والتعذيب والتنكيل لم تستثني العنصر الأنثوي حيث تم اعتقال المناضلة الديناميكية في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد المغربي للشغل ومنظمة إلى الأمام، والتي اختطفت في 16 يناير 1976، لتتذوق بعدها ألوان من التعذيب بدرب مولاي الشريف ، بمعية رفيقاتها فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح، والسيدة بييرادي ماجيو الإيطالية المساندة والمدعمة لمناضلي الحركة الماركسية اللينينية بالمغرب،ومنه فقد حوكمت سعيدة المنبهي مع مجموعة أبراهام السرفاتي أو ما يعرف بمجموعة 138 بخمس سنوات سجنا نافذا زائد سنتين بتهمة الإساءة إلى القضاء حيث خاضت مع رفاقها مجموعة من الإضرابات عن الطعام توجت بالإضراب اللامحدود عن الطعام وذلك لسن قانون المعتقل السياسي وفك العزلة عن الرفيقات وعن المناضل إبراهيم السرفاتي.والذي أدى الى وفاتها بعد يومها الرابع والثلاثون يوم 11 دجنبر 1977 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء. بالإضافة إلى فاطنة البيه التي اعتقلت يوم 17 ماي 1977 وتم الزج بها في درب مولاي الشريف بمعية خديجة البخاري،ماريا الزويتني،وداد البواب،لطيفة اجبابدي،نكية بودا،بعدما تم اختطافها لمدة 7 أشهر دون أن تعلم أسرتها مكان تواجدها وقضائها 3 سنوات سجنا دون محاكمة،20 يوما في سجن اغبيلة بالدار البيضاء و المتبقى من الأيام بسجن مكناس،والتي عرضت عن المحكمة بعد خوضها لإضراب عن الطعام دام 20 يوما،ليتم إحالتها بعد ذلك على المحاكمة التي قضت بإدانتها بخمس سنوات سجنا تحت تهمة تهديد أمن الدولة، فيا للعجب شابة تهدد أمن  الدولة وشاب يسقط النظام استنادا لقوة السلاح ،لكن أي سلاح وأي تهديد؟
   لقد استعمل النظام القائم خلال سنوات الجمر والرصاص كل قواه وأجهزته العلنية والسرية من أجل الحفاظ على كرسي الحكم عن طريق النار والحديد، مداهمات اعتقالات بالجملة،اغتيالات،إعدام في صفوف الحركة الماركسية اللينينية والقوى الاشتراكية والشيوعية عامة،التي كان من شأنها تهديد مصالح النظام وذيوله تحت مبررات درائعية ،اتهامات ثقيلة ومحاكمات صورية مجحفة ب 22 و30 سنة، بالمؤبد تارة والإعدام تارة أخرى دون احترام لأي قانون كان سماويا أو وضعيا وعدم مراعاة أي بند من بنود حقوق الانسان.
     أعدم عمر دهكون و21 مناضلا منهم الملياني ومصطفى جدايني...،استشهد عبد اللطيف زروال والتهاني أمين تحت سياط الجلاد ،سعيدة المنبهي ،ومولاي بوبكر الدريدي ومصطفى بالهواري بعد الاضراب اللامحدود عن الطعام،حوصرالاتحاد الوطني لطلبة المغرب واعتقل مناضلوه كممت الأفواه المنادية بالحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية،تم انتهاج سياسة التدجين والاحتواء ونزع إنسانية الإنسان لكن ماذا بعد ذلك؟
   الإجابة على هذا السؤال نتركها للقارئ من أجل التأمل العميق في التضحيات الجسام التي قدمها شباب كله تطلع لبناء بلد ديمقراطي متقدم يتيح الفرص للجميع ينبني على المشاركة والإشراك لكافة القوى المجتمعية فأين نحن من هؤلاء؟




موت المعنى في الخطاب السياسي لمغرب اليوم


ميلود العلواني
يمكن اعتبار زمن الحراك الاجتماعي الذي شهدته جملة من الدول العربية ،والذي اصطلح عليه بالربيع العربي ،الذي نبتت نبتته الاولى من معقل البوعزيزي بتونس الذي قدم حياته ثمنا لاسترداد الكرامة التي استلبت عسافا من ملايين الناطقين بلغة الضاد، ليزحف بعدها الربيع إلى الدول المجاورة و البعيدة ،مزعزعا كيان أنظمة آمنت بالخلود على اقتعاد الكراسي السياسية متغافلين الجماهير الحالمة بمستقبل زاهر،أنظمة حكمت بالنار و الحديد تارة ،و بالمكر والدهاء السياسي تارة أخرى،و النتيجة تراوحت بين الإعدام ،و العزل والسجن لرموز الانظمة التي اعتبرت مذنبة، و الدفع بأخرى إلى الاسراع صوب التلاعب بأوراق البيت الداخلي لصناعة القرار ،من قبيل إحداث تعديلات صورية و تمويهية على الدساتير ،كما أتيحت الفرصة لصعود أحزاب اسلاموية إلى الحكم ،ما كانت لتقتعد الكراسي لولا قوة الربيع الذي زحف طويلا ،فأربك حسابات صناع القرار ،و لعل حزب العدالة و التنمية المغربي لواحد من تلك الأحزاب المتبنية للخطاب السياسي في بعده الديني ،و الذي سعى طويلا وراء تحصيل نصيبه من كعكة صناعة القرار مستندا في ذلك الخطاب العاطفي الذي يتسلل بدماثة إلى مشاعر المعوزين و المفقرين ،و كذا الوعود السياسية الزائفة،من قبيل احداث المساواة و العدالة الاجتماعية ،و التنمية الاقتصادية التي أقام أسسها عمر بن الخطاب،فإلى أي حد استجاب خطاب الحكومة الحالية لمتطلبات الشعب المغربي المجيد؟
إن البحث في الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية التي يعيشها الشعب المغربي كشف عن موت فعلي في معنى الخطاب السياسي بالمغرب الراهن ،إذ أثبتت جملة من الدراسات أن الوضع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي الهش أنه سيقود لا محالة إلى انفجار حراك اجتماعي جديد بمغرب الحقوق و الحريات ،و هذا طبيعي جدا بحكم ازدواجية الخطاب السياسي بالمغرب الراهن ، و القائم على تقديم جملة من الوعود الرومانسية ،من قبيل إحداث اصلاحات جذرية ،و محاربة الفساد السياسي الذي ينخر المنظومة السياسية منذ عقود من الزمن ،اضافة إلى اعطاء الاولوية إلى تنمية احوال الطبقات المعوزة و المسحوقة ،خاصة فيا يتعلق بوضعهم الصحي و التعليمي و الاقتصادي،و ضمان الحريات العامة و حق التظاهر السلمي و استقلالية القضاء ...
بالرجوع إلى مفهوم السياسة ،فقد تم تعريفها بكونها فن تدبير شؤون العامة في مختلف مجالات الحياة،كما اعتبرها جملة من الفلاسفة علما قائما بذاته له موضوعه و منهجه و غاياته غير أن الأنانية المتجدرة في الانسان قد حرفت السياسة عن أهدافها و غاياتها النبيلة ،المتمثلة في رفع جميع مظاهر الفوضى و التوحش،بل أصبح الذين يمتهنوها كحرفة يخيطونها على المقاسات التي تتماشى وفق خدمة مصالحهم الذاتية ،الشيء الذي دفع البعض إلى تعريفها بكونها " فن ممارسة الدهاء و المكر"،و هذا طبيعي ما دامت تحمل في طياتها لأوجه التناقض ،إذ هي من جهة تسعى إلى خدمة الجميع ،لكنها من جهة ثانية قد تنقلب لكي تصير ضارة بهم وذلك في الوقت الذي يتم تسييرها لخدمة مآرب فئة دون أخرى ،كما أشار"ج. فرود"J.FREUD في كتابه ما هي السياسة. و الجدير بالذكر أن الحكومة الحالية انتهجت نفس النهج في تسييرها للشأن العام للشعب المغربي عن طريق الخطاب الأجوف الذي لم يستطع حتى الحفاظ على مكتسبات الجماهير الشعبية التي حصلتها من خلال نضالها المضني و كفاحها المستميت أمام مخططات حكومات ما قبل الربيع العربي ،و يتمثل ذلك في التراجع الكبير على مستوى جميع القطاعات الحيوية،و خاصة على المستويات التالية:
1 – المستوى الاجتماعي و يتمثل التراجع السابق الذكر في تفشي و تفاقم البطالة بين صفوف الطلبة خريجي الجامعات و مراكز التكوين المهني ، تقلص عدد المناصب بقطاع الوظيفة العمومية ،و الدفع بمخطط ضرب مجانية التعليم و التمريض ،و كذا الزيادات المهولة في أسعار مواد التغذية و المحروقات ...
2– المستوى الاقتصادي : العجز الكبير الذي شهدته الميزانية العامة و صندوق المقاصة.
 3 – المستوى السياسي:التضييق من حيز الحريات العامة، و تضييق الخناق على ممارسة حق التظاهر السلمي ،الذي طال مختلف الشرائح المطالبة بحقوقها الشرعية و المشروعة ،من قبيل قمع الطلبة و اعتقالهم و التنكيل بهم على خلفية بعض الأحداث ،لكن الامر لم يتوقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى قمع مربو الأجيال ،من معلمين وأساتذة، و قضاة و هلم جرا...
ختاما يمكن القول أن الدراسات الاستراتيجية التي أقيمت حول المغرب،تتضمن في طياتها جانبا كبير ا من المعقولية، إذ أنه مع تفاقم الوضع لابد و أن يولد الحراك الاجتماعي ،و بالتالي سيتم تجاوز قول نيقولا ميكيافيلي في كتابه الأمير:"السيطرة على الأمور في الممالك الجديدة تختلف تبعا لقدرات من يستولي عليها"،لأن الاستيلاء على السلطة من طرف حزب يتبنى الدين كإيديولوجية في تسييره للشأن العام للشعب يجب أن يحترم المرجعية التي يتبناها و أن لا يجعل منه افيونا للشعب لتجاوز هجمة الجماهير المتطلعة لغد أفضل.






الهجرة الخارجية و انحراف الأطفال

ميلود العلواني
 
توطئة
تعتبر الهجرة واحدة من ضمن القضايا الشائكة التي اجتذبت نظر السياسي و السوسيولوجي ، المؤرخ و الجغرافي ،و هلم جرا ...و ذلك على اعتبار تواجدها كظاهرة اجتماعية منذ إعمار الكرة الأرضية ، و يمكن إرجاع ذلك إلى البحث الذؤوب عن ظروف معيشية أمثل، سواء تعلق الأمر بالمعطى الاقتصادي ،السياسي ،النفسي أو الاجتماعي، و يمكن القول أن الهجرة باعتبارها ظاهرة اجتماعية سحيقة أنها تحمل في طياتها تحولات اجتماعية مختلفة ، منها : البنية الديموغرافية، الشبكة العلائقية - التواصلية ،و هلم جرا...
غالبا ما يجد المهاجر نفسه أمام محددات ثقافية متباينة ومحددات بناءه الفكري، و خاصة إذا تعلق الأمر بالطفل المهاجر، الذي يجد نفسه بين حتمية الاندماج وواقع الانحراف. إذن مامدى مساهمة الهجرة في عملية اندماج أو انحراف الأطفال؟ و ما انعكاس ذلك على أفراد العائلة و باقي مكونات المجتمع؟ و هل ثمة من ميكانيزمات لمقاومة انحراف الأطفال ببلاد المهجر؟
هذه الأسئلة و غيرها سنحاول الإجابة عليها في التحليل.
التأطير المفاهيمي:
يعتبر مفهوم الهجرة واحدا من ضمن المفاهيم التي تتسم بطابع الأهمية ، و يرجع ذلك إلى الطروحات المتعددة التي تناولت هذا المفهوم ، و منه ارتأينا أن نقدمه انطلاقا من جانبه اللغوي و الاصطلاحي.
نقرأ تحت مادة هجر في لسان العرب لابن منظور أن:"الهجرة هي الخروج من أرض إلى أرض، و المهاجرون الذين ذهبوا مع النبي (ص)، مشتق منه و تهجر فلان أي تشبه بالمهاجرين"( ). و جاء في المنجد في اللغة العربية المعاصرة:"هجرة أو هجرة: خروج من أرض إلى أخرى ، اغتراب ، نزوح ، انتقال الأفراد من مكان إلى مكان سعيا وراء العمل و الرزق".( ) و من جانب آخر فقد تم تناول الهجرة ،في المثن السوسيولوجي، باعتبارها عملية انتقال أو ترحال الناس من بلدهم أو وطنهم، إلى بلد آخر ،أو من منطقة إلى منطقة أخرى داخل بلدهم، و تحدث الهجرة عادة بسبب كوارث طبيعية، أو حروب ، أو تهجير من قوة غازية ،أو طلبا للعمل و التمتع بمستوى معيشي أفضل.
و عرفت الهجرة كذلك بكونها انتقال جغرافي يقوم به الأفراد أو تقوم به الجماعات ، و تكون الهجرة إما داخلية ، أو خارجية ، اختيارية أو إلزامية، و قد تكون ذات أمد قصير أو بعيد،( ) و تم تعريفها كذلك بكونها حركة واسعة لمجموعة سكانية داخل موطنها أو إلى موطن آخر، كما قد تكون الهجرة موسمية، طلبا للماء و الكلأ ، كما قد تكون دائمة بسبب الكوارث الطبيعية ، أوالتغيرات الاجتماعية أو الحروب،أو لتحقيق مستوى معيشي أفضل . ( )
أما تحديدنا الإجرائي لمفهوم الهجرة فيمكن القول أنها ظاهرة اجتماعية مرتهنة بالتحولات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و السيكولوجية، وتحدث عملية الهجرة ، سعيا وراء التمتع بشروط أمثل للعيش و البحث عن الرفاه الاجتماعي.
الطفل وواقع الانحراف ببلاد المهجر :
يدل الجنوح أو الانحراف على مجموعة الأفعال التي يؤدي اكتشافها إلى عقاب مرتكبها بواسطة قوى المجتمع الأكبر( )،كما أنه تم تناول قضية الجنوح باعتبارها سلوك غير البالغين ،الذين يقومون بخرق معايير قانونية معينة، أو معايير اجتماعية بصفة متكررة، تبرر اتخاذ إجراءات قانونية تجاه مرتكب هذه الأفعال ،سواء كان فردا أو جماعة. ( )
إن هذه النظرة البسيطة حول قضية الانحراف اتخذناها كفتح للشهية أو كتأشيرة مرور للغوص في عمق قضية الهجرة و علاقتها بانحراف الأطفال،وسننطلق في تحليلنا من قضية تعرض الأجيال المغربية التي نشأت و فتحت أعينها على ثقافة الدولة المستقبلة لعملية تغيير و تحديث ، نتيجة عملية ثقافية فعلية، على مستوى الدروس و المعارف، و المنهجيات و الحيات اليومية،وخاصة فيما يتعلق بالتنشئة الاجتماعية،التي يتعرض لها الطفل في البلد المضيف،من خلال البرامج و المقررات الدراسية ، التي غالبا ما تتعارض مع المحددات الثقافية و الفكرية، التي يسير وفقها الطفل المهاجر،و التي غالبا ما تؤدي إلى زعزعة هويته الأصلية بكل حيثياتها و خاصة العقدية منها،بغاية تشريبه الثقافة السائدة في البلد المضيف،من قبيل إخضاعه لمنطق التنصير مثلا،وبهذه الطريقة يجد الطفل نفسه أمام واقع التفاعل و التكيف، مع مقومات الثقافة الجديدة التي انخرط فيها عن قصد أو عن غير ذلك.
في إطار الحديث عن الهجرة ،خاصة الخارجية منها ، فيمكن القول أنها تنقسم إلى ثلاث أجيال،الأول منها يحتضن المهاجرين ذوي الأربعين عاما فما فوق،و هم بذلك يشكلون طاقة عمل و قوة إنتاجية هائلة للبلد المضيف ، كما أنهم يعملون بكد و جهد لا مثيل له ، قصد التطلع لبناء مستقبل أبنائهم، و إدماجهم في صفوف المجتمع الراقي،و هذا لامسناه في المجتمع الهولندي الذي سعى إلى إدماج المواطنين المغاربة و أبنائهم،عن طريق الإغراءات المتمثلة في تحقيق مبدأ المساواة بينهم وبين المواطنين الأصليين،و ما إلى ذلك،من قبيل تشجيع المهاجر على إلحاق أبنائه به، لكن ما ترتب عن ذلك هو انتشار البطالة و التهميش،بين صفوف أفراد هذا الجيل،أما الجيل الثاني فتتراوح أعمار أفراده بين 12 و13 سنة، ينحدرون من أسر مختلفة من حيث المستوى الاجتماعي،و كان هذا الجيل بمثابة استكمال لوحدة الأسرة في المهجر،و لمتابعة الدراسة بشكل منتظم بالمدارس الهولندية،إلا أنه سارت الأمور عكس ذلك ، فألحق العديد منهم بمراكز التكوين المهني ، أو المراكز الإصلاحية، بفعل التسرب الدراسي و الانغماس في مطبات الانحراف،والذي جاء نتيجة لعدم التكيف مع البرامج المقررة في المقررات الدراسية، أما الجيل الثالث من المهاجرين، و هو الذي ازداد و نشأ في مجتمع آخر، له محدداته و معاييره الثقافية ، و هذا الجيل تقل أعماره عن 16 سنة، الشيء الذي جعل من أصحابه يتكيفون مع الثقافة السائدة ، وينصهرون في مختلف مقوماتها، ولعل هذا الأخير هو ما مهد و هيأ لإكسابهم و تشريبهم ثقافة الانحراف ،و التي تتولد عنها جملة من المشاكل، كملاحقة الشرطة الدائمة للأطفال المغاربة المشبوهين في الديار الهولندية مثلا،كما أنها تعطى احصائيت مغلوطة حول هؤلاء الأطفال المتهمين بارتكاب جرائم على التراب الهولندي، الشيء الذي يعطي صورة مشوهة عن الجالية المغربية،و التي تكون لها آثارها السلبية على مصالح البلاد،أما أسباب انحراف الأطفال ببلاد المهجر فهي عديدة و ثمارها عديدة كذلك، و ندرجها على الشكل التالي،كما أدرجها أحمد البكاري ( ):
- تفضيل الأطفال الهولنديين مثلا، من طرف المؤسسات التعليمية و الأندية الثقافية على الأجانب.
- الفشل الدراسي
- عنف الآباء اتجاه أبنائهم
- انتشار البطالة بين صفوف الجالية المغربية
- النزاعات العائلية.
و من بين ثمار هذه الأسباب نجد:
- سرقة و نهب المحلات التجارية و السيارات و المنازل
- المتاجرة في المخدرات
- القيام بأعمال تخريبية.
- القيام بتهديدات للأشخاص المسنين و غيرهم للحصول على مبالغ مالية أو غيرها
- الضرب و الجرح.
و على سبيل الختام ،يمكن القول أن الهجرة ليست دائما ذات نتائج سلبية ، بل لها إيجابياتها أيضا، لكن غالبا ما تكون سلبياتها أكثر حدة،و نذكر منها على سبيل المثال،لا الحصر، 1600 حالة طلاق، بواسطة القانون الهولندي مثلا،70٪-;- يغادرون الدراسة،30 ٪-;-من الأطفال في السجون، 1650 هاربة إلى ملاجئ،أطلق عليها السادات، دارها B.R.N.B ،850 فتاة مغربية التجأت إلى عائلات هولندية، 1500 طفل من 12 إلى 18 سنة، موجودين في ملاجئ الأطفال ،بطالة 50 ٪-;-، تفكك أسري،اندماج كلي،و هلم جرا... ( ).
لائحة المصادر و المراجع:
- لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت، المجلد 5، الطبعة(1.2 .3).
- مجموعة محررين، المنجد في اللغة العربية المعاصرة، دار المشرق للنشر، بيروت، الطبعة 1، 2000.
- إحسان محمد الحسن، موسوعة علم الاجتماع، الدار العربية للموسوعات.
- ترافيس هيراشي،أسباب جنوح الأحداث،ترجمة و تعقيب، الدكتور محمد سلام محمد غباري،المكتب الجامعي الحديث،الإسكندرية ، الطبعة 2 .
- أحمد البكاري،وضعية الطفل المغربي في المهجر، هولندا نموذجا ، الرباط، الطبعة1،1994.



 
Design by Wordpress Templates | Bloggerized by Free Blogger Templates | Web Hosting Comparisons تعريب : ميلود العلواني